مقدّمه الطبعة الثالثة

 مقدّمه الطبعة الثالثة

هل أضحت مسألة الإمامة بحثاً تاريخياً لا جدوي من و رائه ؟ وهل تبقي _ مهما بلغت من الأهمية -في إطارها التاريخي القديم الذي عفا عليه الزمن ! فماذا يجدي طرحها في هذا العصر؟ ناهيک عن أضرارها لإنّها ستجِّدد و تبعث من جديد الخلافات بين السنّة و الشيعة.ومسألة طائفية کهذه لابّد و أن توجّه ضربّّّة قاصمة لوحدة الامّة الإسلامية و هي في أمسّ الحاجة إليها الان و أکثر من أيّ وقت مضي.

أليس من الأفضل الإعراض عن هذه المسائل ، والبحث في مسائل أکثر ضرورة ؟

قد تثار مثل هذه التساؤلات هنا أوهناک ، وإذا أردنا الجواب عنها فيمکن القول أنّ البحث في مسألة الإمامة يخرج عن إطاره التاريخي القديم الي مجاله الأرحب ليکون من أشدّ المسائل حياتية ، ليس لمحتواها العقائدي فحسب ، بل لمعطياتها الفکرية في الحياة الإنسانية؛ إنطلاقا ًمن جانبها السياسي و نظريتها في الإدارة و الحکم.

وإذن فمسألة الإمامة لا ترتبط بزمن مضي بل إنّها تواکب کلّّ الأمازمنة حاضراً و مستقبلاً.

ومن هنا فقد أضحت و علي مدي التاريخ الإسلامي مجالاً حيوياً للبحث ، وکانت واحدة من محاور علم الکلّّام ، و فاقت بذلک غيرها من المسائل الإسلامية الاخري حتي ألّفت حولها مئات بل آلاف الکتب.

وفي الأحاديث نجد أنّ مسألة الإمامة قد احتلت مساحة و اسعة لتکون معرفة الإمام الحقّ و اتّباعه ضرورة من الضرورات ، و قد قال سيّدنا محّمد (صلي الله عليه و آاله و سلم): "من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية ".(1)

وعن الرواي قال: سألت أبا عبد الله (الصادق) (عليه السلام) عن قول رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم): (من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية) قال قلت: ميتة الکفر؟ قال: ميتة ضلال.قلت: فمن مات اليوم و ليس له إمام فميتته ميتة جاهلية ؟ فقال: نعم.(2)

وعن آخر قا ل: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): قال رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ؟ قال: نعم.قلت: جاهلية جهلاء أوجاهلية لا يعرف إمامه؟ قال: جاهلية کفر و نفاق و ضلال (3).

وقال الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث له: "ان الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين و صلاح الدنيا و عزّ المؤمنين ، إن الإمامة أسّ الإسلام النامي وفرعه السامي ، بالإمام تمام الصلاة و الزکاة و الصيام و الحجّ و الجهاد و توفير الفيء و الصدقات و إمضاء الحدود و الحکام و منع الثغور و الأطراف.ان الإمام يحّل حلال الله و يحّرم حرام الله و يذبّ عن دين الله "(4).
 

وعن محّمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: "کلّّّ من دان الله عزوجل بعبادة يجهد فيها نفسه و لا إمام له من الله ، فسعيه غير مقبول ، وهو ضالّّّ متحيّر ، و الله شانئٌ لأعما له ، و مثله کمثل شاة ضلّت عن راعيها وقطيعها ، فهجمت ذاهبة و جائية يومها فلمّا جنّها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها ، فحنّت اليها و اغترّت بها ، فباتت معها في مربّّّضها ، فلمّا أن ساق الراعي قطيعه انّکرت راعيها و قطيعها فهجمت متحيّرة تطلب راعيها و قطيعها فبصرت بغنم مع راعيها فحنّت إليها و اغترّت بها ، فصاح بها الراعي ، الحقّي براعيک وقطيعک فأنت تائهة متحيّرة عن راعيک و قطيعک ، فهجمت ذعرة متحيّرة تا ئهة لا راعي لها يرشدها إلي مرعاها أويردّها ، فبينا هي کذلک إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأکلها. وکذلک و الله يا محّمدمن أصبح من هذه الاُکّة لا إمام له من الله عزّوجل ظاهر عادل أصبح ضالاًّ تائهاً ، و إن مات علي هذه الحالة مات ميتة کفر و نفاق. و اعلم يا محّمد إنّ أئمة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين الله ، قد ضلّوا و أضلّوا ، فأعما لهم التي يعلمونها کرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف ، لا يقدرون مما کسبوا علي شي ء ، ذلک هو الضلال البعيد "(5).

و يستفاد مما تقدّم ان بحث الإمامة يعدّ في صميم المسا ئل الإسلامية العامّة؛ وعليه تتوقف معرفة الإمام الحقّ و صفاته ، و هي مسألة مصيرية با لنسبة للأمة؛ الإسلامية في مجالات عديدة:

- فإلي من يرجع المسلمون في أخذ أحکام دينهم و حلّ مشکلاتهم الفکرية ؛ إلي أهل بيت النبي من الأئمة المعصومين حملة الرسا لة ، أم الي علماء الرأي والقياس و الإستحسان؟

- و بمن يتأسّي المسلمون ، و بمن يقتدون؛ بعترة الرسول أم بغيرهم ؟

-و ما هوشکل الحکومة الإسلامية و ما هي مقوّمات الحاکم الإسلامي ، و هل ان الحکم الإسلامي حقّ مشروع للأئمة المعصومين المعيّنين من لدن الله عزوجل أم لکلّّ من أراد الحکم حتي لو کان ظالماً جاهلا ً؟

و کلّّ هذا و غيرة يندرج في بحث الإمامة.

فإذا ما بحثت الإمامة بشکل علمي و في إطار الخُلق الإسلامي بعيدا ًعن التعصب و الإساءة الي مقدسات الطرف الآخر فإنّها لن تکون باعثاً علي تأجيج النّفس الطائفي ، بل سيکون لها الأثر البالغ في ردم هوّة الخلاف ، و التقريب بين المذاهب.

و في الختام نذکر بأنّ بحث الإمامة يمکن أن يتمّ في محورين:

الأوّل: بحوث عامّة في الإمامة ، من قبيل: ضرورة وجود الإمام ، شروطه و صفاتة؛ کالعلم والعصمة والاعجاز ، و کيفية انتخابه ، و غيرها.

الثاني: تطبيقات الإمامة و بحث مصاديق الأ ئمة و إقامة الأدلّة في إثبات إمامة کلّّ منهم. وقد اعتمد الکتاب المحور الأوّل.

ولا أنسي التأکيد علي ضرورة تأليف کتاب آخر يعتمد المحور الثاني.

و تبقي الإشارة الي أن الکتاب الحاضر کان قد أّلف قبل 25 سنة أي قبل انتصار الثورة الإسلامية ، و قد أُجريت عليه بعض التعديلات اللازمة ليکون في شکلّّه الحالي بين أيدي القراء الکرام؛سائلا ًالمنّان الرضا و القبول.


إبراهيمي الأاميني
خريف 1416ﻫ.

 

(1)مسند احمد: ج 4 ص96 -الکافي: ج 1ص 376
(2)الکافي: ج 1ص 376
(3) المصدر السابق: ص377
(4)الکافي: ج 1ص200
(5)الکافي: ج 1 ص183.